أنعقدت ندوة افتراضية موسعة لإطلاق الورقة التحليلية الموسومة بـ“هندسة السلام في اليمن”، بتنظيم من منتدى سفراء العدالة الانتقاليةضمن مشروع سبارك الذي تنفذه رابطة امهات المختطفين بالشراكة مع منظمة سام للحقوق والحريات وبتمويل من معهد دي تي ، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والفاعلين في المجتمع المدني، الذين ناقشوا جذور تعثر المصالحات اليمنية، وإمكانيات بناء سلام مستدام قائم على العدالة الانتقالية والشراكة المجتمعية وإعادة تصميم الدولة اليمنية.
وافتتحت الندوة بالتأكيد على أن اليمن عاشت عقودًا من عدم الاستقرار والصراعات المتداخلة محليًا وإقليميًا، ما جعل البلاد ساحة لتجارب سياسية ومصالحات متكررة انتهى كثير منها إلى إعادة إنتاج العنف بدلًا من إنهائه. وأوضح منظمو الندوة أن الورقة التحليلية تسعى إلى تقديم رؤية متكاملة لـ“هندسة السلام”، بوصفه عملية تتجاوز الحلول المؤقتة إلى إعادة تصميم مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع على أسس تمنع تكرار الانهيار.
قراءة نقدية لتاريخ المصالحات اليمنية
الورقة التي تم استعراض لأبرز محاورها، شملت وتتبعت تجارب المصالحة اليمنية منذ أول مصالحة في تاريخ اليمن الحديث عام 1970 وحتى الوقت الراهن، مع تشريح للأسباب البنيوية التي قادت إلى انهيارها، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، إضافة إلى تحليل أثر التدخلات الخارجية في إضعاف فرص السلام.
كما شملت أبرز أسباب فشل المصالحات السابقة والتي تمثلت في “ترقيع الأزمات” دون معالجة جذور الصراع، وضعف مؤسسات الدولة وسيادة القانون، وغياب العقد الاجتماعي الجامع، فضلًا عن استمرار وجود جماعات مسلحة موازية للدولة، والتعبئة الطائفية والهوياتية، وتحول القرار الوطني إلى رهينة للتوازنات الإقليمية والدولية.
كما أشارت الورقة إلى ما وصفته بـ“مثلث الموت” الذي يهدد أي عملية سلام، والمتمثل في النخب السياسية المستفيدة من المحاصصة، واقتصاد الحرب الذي راكم مصالح واسعة مرتبطة باستمرار النزاع، إلى جانب التدخلات الخارجية التي تعيد تشكيل المسارات السياسية بما يخدم أجنداتها.
وشددت الورقة على أن العدالة الانتقالية تمثل شرطًا أساسيًا لإغلاق ملفات الماضي ومنع تكرار الانتهاكات، إلى جانب ضرورة توفير دعم نفسي للمجتمع اليمني الذي وصفته بأنه “مجتمع مكلوم لا يستطيع حماية السلام دون معالجة جراحه العميقة”. كما دعت إلى إشراك النساء والشباب والضحايا والمجتمعات المحلية بوصفهم شركاء حقيقيين في صناعة السلام، لا مجرد متلقين للمساعدات أو متفرجين على العملية السياسية.
المخلافي: شكل الدولة كان جوهر الصراع اليمني
من جانبه، أكد الدكتور محمد المخلافي أن أزمة شكل الدولة ظلت منذ قيام الوحدة اليمنية واحدة من أبرز جذور الصراع السياسي، مشيرًا إلى أن الدستور اليمني كان يحمل أسسًا لدولة حديثة قائمة على اللامركزية، إلا أن غياب التنفيذ الفعلي لهذه المبادئ أسهم في تعميق التهميش وتركيز السلطة والثروة في المركز.
وأوضح المخلافي أن مخرجات الحوار الوطني ومسودة الدستور اليمني تمثلان أرضية يمكن البناء عليها لإقامة دولة اتحادية قائمة على المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون، بدل العودة إلى “التنظير المجرد” أو البدء من الصفر. كما شدد على أهمية إنهاء جذور الصراع وإرضاء الضحايا باعتبارهما شرطين أساسيين لأي انتقال سياسي مستدام.
وفي حديثه عن العدالة الانتقالية، أشار المخلافي إلى أن بعض القوى السياسية لا تزال تنظر إليها بوصفها “عدالة انتقامية”، بينما هي في جوهرها آلية لتحقيق الإنصاف ومنع تكرار الانتهاكات، موضحًا أن المساءلة في العدالة الانتقالية لا تقتصر على العقاب الجنائي، بل تشمل كشف الحقيقة والاعتراف العلني بالانتهاكات والاعتذار للضحايا وحفظ الذاكرة الوطنية.
المجتمع المدني بين التهميش والبحث عن دور ضامن
وفي محور دور المجتمع المدني، قدمت الناشطة هدى الصراري مداخلة مطولة تناولت فيها أسباب فشل إشراك المجتمع المدني في مسارات السلام السابقة، معتبرة أن المنظمات كانت تُستدعى غالبًا بوصفها “ديكورًا استشاريًا” يمنح الشرعية للعملية السياسية دون امتلاك صلاحيات حقيقية للرقابة أو المساءلة.
وأضافت أن كثيرًا من منظمات المجتمع المدني تعاني من ضعف الارتباط الحقيقي بالمجتمعات المحلية، واعتمادها على لغة وتقارير موجهة للمؤسسات الدولية أكثر من المجتمعات اليمنية نفسها، فضلًا عن تعرضها لضغوط متعارضة من الأطراف السياسية والجهات الممولة، ما يفقدها استقلاليتها ومصداقيتها.
وأكدت الصراري أن بناء “بنية رقابية مجتمعية” يتطلب حضورًا مستدامًا داخل المجتمعات المحلية، وتراكمًا معرفيًا بالسياق الاجتماعي، وشرعية اجتماعية وقانونية تمنح تقارير المنظمات قوة وتأثيرًا فعليًا. كما دعت إلى إنشاء تحالفات رقابية تضم منظمات من مناطق وخلفيات سياسية مختلفة، بما يضمن توازنًا أكبر ويحد من اتهامات الانحياز.
وفي سياق الحديث عن النساء والشباب والضحايا، شددت الصراري على أن النساء اليمنيات اكتسبن مهارات الوساطة نتيجة معايشتهن اليومية لتبعات الحرب، وليس بسبب “صفات فطرية” كما يُروّج أحيانًا، داعية إلى إعادة تصميم طاولات التفاوض بحيث تستوعب هذه الخبرات المجتمعية الحقيقية بدل الاكتفاء بالتمثيل الشكلي. كما اعتبرت أن الشباب اليمني يمتلك وعيًا سياسيًا متقدمًا تشكل خلال سنوات الحرب، إلا أنه لا يزال معزولًا عن مراكز صنع القرار.
دعوات لبناء منصات معرفية وطنية
بدوره، ركز الباحث عاتق جار الله على أهمية الإنتاج المعرفي ومراكز الدراسات في دعم مسارات السلام، معتبرًا أن اليمن لا تزال تفتقر إلى “النمذجة” وبناء القوالب المؤسسية التي يمكن أن تشكل مرجعية لصناع القرار.
وأشار إلى وجود فجوة عميقة بين المعرفة وصناعة القرار، موضحًا أن مراكز الدراسات ومنظمات المجتمع المدني ينبغي أن تتحول من جهات استشارية إلى “خزانات معرفية” قادرة على إنتاج خرائط للنزاعات ومؤشرات للهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، وتقديم رؤى عملية قابلة للتطبيق.
كما دعا إلى تطوير المناهج الجامعية وإدماج مفاهيم التعايش والسلام والمواطنة والعدالة الانتقالية ضمن العملية التعليمية، معتبرًا أن الجامعات اليمنية لا تزال بعيدة عن معالجة قضايا المجتمع والصراع بشكل مباشر.
توافق على أن السلام يبدأ من العدالة والشراكة
اختُتمت الندوة بالتأكيد على أن السلام في اليمن لا يمكن أن يتحقق عبر إعادة تدوير التسويات التقليدية أو الاكتفاء بالمحاصصات السياسية، بل عبر مشروع وطني يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس العدالة والشراكة وسيادة القانون. كما شدد المشاركون على أن العدالة الانتقالية ليست أداة للانتقام، بل وسيلة لمنع تكرار الحروب وإعادة الثقة المجتمعية، وأن نجاح أي عملية سلام مرهون بقدرتها على إنصاف الضحايا ومعالجة جذور الصراع لا الاكتفاء بإدارته مؤقتًا.

