“متحف الذاكرة” في تعز: ذاكرة حيّة للمعاناة ورسالة سلام

في قلب مدينة تعز، أزيح الستار عن “متحف الذاكرة” بحضور رسمي وجماهيري واسع، إذ افتتح الفعالية وكيل محافظة تعز محمد الصنوي، ليحفظ المتحف ذاكرة ثماني سنوات من الحصار، وليحوّل المعاناة إلى شهادة حيّة على الانتهاكات وصمود أبناء المدينة.

جاء المعرض ضمن أنشطة مشروع سبارك، بتنظيم منظمة سام للحقوق والحريات بالشراكة مع رابطة أمهات المختطفين، وبدعم من معهد “دي تي”، وبالتنسيق مع الهيئة العامة للآثار والمتاحف ومكتب شؤون الحصار والثقافة بتعز. ويهدف إلى ترسيخ الذاكرة الجمعية، وتعزيز ثقافة عدم النسيان، مع توفير فضاء للتعليم والمناصرة يسهم في رفع الوعي المجتمعي وتوثيق معاناة الضحايا.شمل المعرض العديد من الصور والرسومات وبقايا اسلحة والغام مموهة وركنا للضيافة وركنا للتصوير ، ويفتح المعرض أبوابه للزوار على مدى ثلاثة أيام.

ليست مجرد مدينة محاصرة

يرى ماهر العبسي، مدير مكتب شؤون الحصار، أن المعرض “تجسيد لذاكرة الحرب والانتهاكات ضد المدنيين”، موضحاً أن مقتنياته لا تقتصر على الصور والرسومات، بل تشمل أيضاً بقايا أسلحة وألغام مموهة صُممت لاستهداف النساء والأطفال. ويضيف: “المتحف ليس لتأريخ الحرب فقط، بل لتحذير الأجيال من تكرارها مستقبلاً.”

معاناة الضحايا… ونداء للمصالحة

عبدالله جسار، عضو لجنة الوفاق والمصالحة المجتمعية، أكد أن الفعالية تمثل منصة لإيصال صوت الضحايا إلى العالم: “كل لوحة وصورة هنا رسالة واضحة بأن الحصار ما زال قائماً، وأن تعز ما زالت تنتظر رفع هذا الظلم.”

متحف للذاكرة والعدالة الانتقالية

أما ضابط المشروع معاذ الفقيه، فيرى أن المتحف “ليس مجرد معرض، بل بوابة إلى الألم وشهادة على الصمود”. ويضيف: “الهدف الأوسع هو تمهيد الطريق للعدالة الانتقالية وتخليد ذكرى الضحايا كجزء من جبر الضرر.”

استعادة روح المتاحف

محبوب الجرادي، مدير إدارة هيئة الآثار والمتاحف في تعز، أعرب عن أمله بأن يسهم المشروع في “إعادة روح المتحف الوطني الذي أُغلق لسنوات بفعل الحرب”، مؤكداً أن تعز “تستحق عرضاً يليق بعمقها التاريخي وتنوعها الثقافي، وأن الأجيال الجديدة يجب أن تدرك قيمة المؤسسة المتحفية كذاكرة ثقافية كبرى.”

الفن لغة الذاكرة

بدورها، أشارت أسماء الراعي، المديرة التنفيذية لرابطة أمهات المختطفين، إلى أن المعرض “دليل حقيقي على الانتهاكات ووسيلة لحفظ الذاكرة من السقوط بالتقادم”، معتبرة أن الفن التشكيلي “رسالة خالدة توثّق المأساة ببلاغة تفوق الكلمات.”

ذاكرة بصرية مفتوحة

ووصف الصحفي سام البحيري المعرض بأنه “أرشيف بصري وشاهد حي على معاناة تعز منذ بداية الحصار”، معرباً عن أمله بأن يتحول إلى “ذاكرة مفتوحة ومزار دائم يذكّر الأجيال بما حدث حتى لا يتكرر.”

أصوات الفن والمقاومة

ندى محمود، إحدى المشاركات في المعرض، عبّرت عن تجربتها قائلة: “رسمت قلعة القاهرة كرمز للصمود، وصوّرت معاناة الناس مع الماء والكهرباء والطرقات المغلقة، لأوصل رسالة بأن تعز ستظل شامخة رغم كل شيء.”

من الألم إلى الأمل

لم يكن افتتاح “متحف الذاكرة” مجرد فعالية ثقافية، بل فعل مقاومة في وجه النسيان. بين الصور والمقتنيات والشهادات الحية، يضع المتحف الزوار أمام مشاهد الحرب والحصار، لكنه يفتح أيضاً نافذة للأمل بأن الذاكرة الحيّة قادرة على بناء وعيٍ جديد ومجتمعٍ أكثر تمسكاً بالسلام والعدالة

تصوير: أنس أنيس

.