نفذ منتدى سفراء العدالة الانتقالية بتنسيق من رابطة امهانت المختطفين وبتمويل من معهد دي تي ويبنار افتراضي بعنوان “عدالة الغد: قراءة في مشروع العدالة الانتقالية وآفاق التوثيق والمصالحة في اليمن” ، والذي ناقش مستقبل العدالة الانتقالية في اليمن، وسبل تطوير مشروع القانون المستند إلى مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، بما يواكب المتغيرات السياسية والحقوقية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، ويضمن إنصاف الضحايا وتحقيق سلام مستدام.
وشارك في الويبنار وزير الشؤون القانونية الأسبق الدكتور محمد المخلافي، ووزيرة الشؤون القانونية الحالية الأستاذة إشراق المقتري، ورئيسة رابطة أمهات المختطفين الأستاذة أمة السلام الحاج، بحضور عدد من الأكاديميين والحقوقيين والمهتمين بقضايا العدالة الانتقالية وبناء السلام.
وأكد الدكتور محمد المخلافي أن مشروع قانون العدالة الانتقالية يمثل إحدى الركائز الأساسية لأي عملية انتقال نحو السلام والديمقراطية، موضحاً أن فلسفة المشروع تقوم على الاعتراف بمآسي الماضي وإنصاف الضحايا ومنع تكرار الانتهاكات، من خلال آليات تشمل كشف الحقيقة وجبر الضرر والمصالحة الوطنية والإصلاح المؤسسي. وأضاف أن المشروع سعى إلى تحقيق توازن بين متطلبات العدالة والمساءلة من جهة، والحاجة إلى المصالحة الوطنية من جهة أخرى، بما يسهم في إنهاء دوائر الثأر والانتقام وبناء مستقبل قائم على التعايش والسلم المجتمعي.
من جانبها، أوضحت وزيرة الشؤون القانونية إشراق المقتري أن الحاجة إلى قانون للعدالة الانتقالية أصبحت اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، في ظل ما شهدته البلاد منذ عام 2014 من حرب وانتهاكات واسعة ومتعددة الأشكال. وأشارت إلى أن مشروع القانون الذي أُعد في مرحلة سابقة يحتاج إلى إعادة قراءة وتحديث بما ينسجم مع المتغيرات الراهنة، لافتة إلى أن اليمن بات يمتلك اليوم قاعدة أوسع من التوثيق والرصد، إضافة إلى تنامي دور منظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا في توثيق الانتهاكات والدفاع عن حقوق المتضررين.
وشددت المقطري على أهمية عدم اختزال السلام في التفاهمات السياسية وتقاسم السلطة بين أطراف النزاع، مؤكدة أن العدالة الانتقالية يجب أن ترتكز على حقوق الضحايا وتضمن مشاركتهم الفاعلة في صياغة المستقبل، محذرة من أي مقاربات قد تؤدي إلى تهميش مطالبهم أو الالتفاف عليها. كما كشفت أن وزارة الشؤون القانونية وضعت إعادة مناقشة مشروع قانون العدالة الانتقالية ضمن أولوياتها، استجابة للمطالب المتزايدة من منظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا.
بدورها، أكدت رئيسة رابطة أمهات المختطفين أمة السلام الحاج أن الضحايا ينظرون إلى العدالة الانتقالية من زاوية مختلفة عن بقية الفاعلين السياسيين، باعتبارها مساراً لاستعادة الكرامة الإنسانية وإنصاف المتضررين. وأوضحت أن كثيراً من الضحايا ما زالوا يعيشون آثار الانتهاكات بشكل يومي، الأمر الذي يجعل الحديث عن المصالحة أو التسامح غير ممكن دون كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر.
وأكدت الحاج أن النساء لعبن دوراً محورياً خلال سنوات الحرب في الدفاع عن الحقوق وكشف الانتهاكات والمطالبة بالعدالة، مشيرة إلى أن العديد منهن انتقلن من أدوارهن التقليدية إلى مواقع قيادية وحقوقية فاعلة. ودعت إلى ضمان مشاركة النساء والضحايا في صياغة القوانين والهيئات المعنية بالعدالة الانتقالية، معتبرة أن إشراكهم يمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي عملية سلام أو مصالحة وطنية.
وتناول المشاركون أهمية حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق الانتهاكات باعتبارها من أهم ركائز العدالة الانتقالية، حيث أكدت المقتري أن السنوات الماضية شهدت جهوداً واسعة في الرصد والتوثيق من قبل جهات حكومية ومنظمات مجتمع مدني ونقابات وروابط ضحايا، ما أسهم في بناء قاعدة مهمة من الأدلة والبيانات التي يمكن الاستناد إليها مستقبلاً في عمليات كشف الحقيقة وجبر الضرر.
وفي السياق ذاته، شددت أمة السلام الحاج على ضرورة تشجيع الضحايا على توثيق حالاتهم والإبلاغ عنها، رغم التحديات الأمنية والمخاوف التي يواجهونها، مؤكدة أن حفظ المعلومات والأدلة اليوم يمثل ضمانة أساسية لأي مسار مستقبلي للعدالة والإنصاف.
وخلص الويبنار إلى التأكيد على أن العدالة الانتقالية ليست خياراً مؤجلاً لما بعد الحرب فحسب، بل مساراً يجب الإعداد له منذ الآن عبر التوثيق وحفظ الذاكرة الوطنية، وتوسيع مشاركة الضحايا والنساء والشباب، والعمل على تحديث مشروع القانون بما يستجيب للواقع اليمني الراهن ويؤسس لسلام عادل ومستدام قائم على الحقيقة والإنصاف وعدم الإفلات من العقاب.





